محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

457

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قوله - جلّ وعزّ - : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) النظم بيّن الربّ تعالى أنّ قولهم قلوبنا غلف جحود وعناد ؛ فإنّها إن كانت في أكنّة وحجاب من الفهم . فالكتاب الذي جاءهم من عند اللّه مصدّقا لما معهم يرفع ذلك الحجاب ويخرجها من الغلاف ؛ وإن كانت قلوبهم أوعية العلوم فهي أولى بقبول العلم ؛ إذ كان الكتاب موافقا للكتاب الذي هو حقّ عندهم . التفسير قال أهل التفسير : الكتاب هو القرآن ، وهو مصدّق لما مع اليهود من التوراة ، ولما مع النصارى من الإنجيل ؛ وموافق لهما في القصص والأخبار والتوحيد والنبوّة وأكثر الأحكام ؛ وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح : مصدّق بأنّ التوراة والإنجيل من عند اللّه . وكانوا - يعني اليهود - من قبل أن جاءهم القرآن يستفتحون على الذين كفروا يعني يستنصرون بمحمّد على كفّار العرب . قال ابن عبّاس : كانوا إذا حزنهم أمر وظهر لهم عدوّ قالوا : اللّهمّ افتح لنا وانصرنا بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان ؛ وقال في رواية سعيد بن جبير وعكرمة : كانوا يقولون : اللّهمّ إنّا نستنصرك بحقّ النبيّ الأمّي أن تنصرنا عليهم فينصرون . فلمّا جاءهم ما عرفوا أنّه النبيّ الأمّيّ كفروا به . وقال بعض أهل المعاني : كانوا يفتخرون على العرب بمجيئه ويقولون : هو أهل كتاب ونحن أهل الكتاب ( 199 ب ) وهذا أوانه ؛ فإذا جاء صدّقناه وأنتم تكذبونه ، ونصرناه وأنتم تخذلونه ؛ فلمّا بعث اللّه محمّدا من قريش عرفوه حقّ المعرفة ، فكفروا به . قال معاذ بن جبل : اتّقوا اللّه يا معشر اليهود وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد ونحن أهل شرك ، وتخبروننا أنّه مبعوث ، فقال سالم بن مسكم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو